محمد سعيد رمضان البوطي
357
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
خلافة عمر بن الخطاب هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، لقّبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالفاروق ، لأنه فرق بين الحق والباطل ، بويع له بالخلافة في اليوم الذي توفي فيه الصدّيق . فقام بمثل سيرته وجهاده وصبره ، وأعز اللّه به الإسلام . وكان أول عمل قام به عزله لخالد عن الإمارة وتولية أبي عبيدة مكانه . وشهد فتح بيت المقدس ، وأقام بها عشرة أيام ، ثم رجع إلى المدينة وأخذ معه خالدا ، ولما عاتبه خالد على معاملته له ، قال له : واللّه يا خالد إنك عليّ لكريم وإنك إليّ لحبيب « 1 » ، وكتب إلى البلاد والأمصار يقول لهم : إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة ، ولكن عزلته شفقة على النفوس من سرعة هجماته وشدة صدماته 2 ، وكان خالد ابن خالة عمر رضي اللّه عنهما ، وتوفي في خلافة عمر بحمص . وقد تمّ فتح دمشق ما بين صلح وعنوة ، وفتح حمص وبعلبك صلحا ، والبصرة والأبلّة كلاهما عنوة ، وكان ذلك كله في سنة أربع عشرة . وفي هذه السنة جمع عمر الناس على صلاة التراويح عشرين ركعة . وفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحا . وفيها كانت وقعة اليرموك والقادسية . قال ابن جرير في تاريخه : وفيها مصّر سعد الكوفة ، وفيها فرض عمر الفروض ودوّن الدواوين وأعطى العطاء بمقتضى السابقة في الإسلام « 3 » . وفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن ، وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى ، وهي أول جمعة جمعت بالعراق . وقد استشار عمر الصحابة وفيهم عليّ رضي اللّه عنه في أن يخرج بنفسه لقتال الفرس والروم ، فكان فيما أشار عليه عليّ رضي اللّه عنه قوله : « إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين اللّه الذي أظهره وجنده الذي أعدّه وأمدّه حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع . . ومكان القيّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمه . فإن انقطع النظام تفرق الخرز وذهب ، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا . . فكن قطبا واستدر الرحا بالعرب ، وأصلهم دونك نار الحرب ،
--> ( 1 ، 2 ) البداية والنهاية : 7 / 81 ، والطبري : 3 / 435 ( 3 ) تاريخ الطبري : 3 / 598 و 613